الآلوسي
8
تفسير الآلوسي
في كفرهم بحال قوم خالفوا سلطانهم واستعصوا عليه فقدم إلى أشيائهم وقصد إلى ما تحت أيديهم فأفسدها وجعلها شذر مذر ولم يترك لها من عين ولا أثر ، واللفظ المستعار وقع فيه استعمال - قدم - بمعنى عمد وقصد لاشتهاره فيه وإن كان مجازاً كما يشير إليه كلام الأساس ، ويسمى القصد الموصل إلى المقصد قدوماً لأنه مقدمته ، وتضمن التمثيل تشبيه أعمالهم المحبطة بالهباء المنثور بدون استعارة ، فلا إشكال على ما قيل ، والكلام في ذلك طويل فليطلب من محله . وجعل بعضهم القدوم في حقه عز وجل عبارة عن حكمه ، وقيل : الكلام على حذف مضاف أي قدم ملائكتنا ، وأسند ذلك إليه عز وجل لأنه عن أمره سبحانه ، ونقل عن بعض السلف أنه لا يؤول في قوله تعالى : * ( وجاء ربك ) * ( الفجر : 22 ) وقوله سبحانه : * ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ) * ( البقرة : 210 ) على ما هو عادتهم في الصفات المتشابهة ، وقياس ذلك عدم التأويل في الآية ، ولعله من هنا قيل : إن تأويل الزمخشري لها بناءً على معتقده من إنكار الصفات ، والقلب إلى التأويل فيها أميل . وأنت إن لم تؤول القدوم فلا بد لك أن تؤول جعلها هباءً منثوراً بإظهار بطلانها بالكلية وإلغائها عن درجة الاعتبار بوجه من الوجوه ، ولا يأبى ذلك السلف . * ( أَصْحَابالْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ) * * ( أَصْحَابُ الْجَنَّة ) * هم المؤمنون المشار إليهم في قوله تعالى : * ( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) * ( الفرقان : 15 ) * ( يَوْمَئذٍ ) * أي يوم إذ يكون ما ذكر من القدوم إلى أعمالهم وجعلها هباءً منثوراً ، أو من هذا وعدم التبشير ، وقولهم : حجراً محجوراً * ( خَيْرٌ مُّسْتَقَراً ) * المستقر المكان الذي يستقر فيه في أكثر الأوقات للتجالس والتحادث * ( وَأَحْسَنُ مَقيلاً ) * المقيل المكان الذي يؤوى إليه للاسترواح إلى الأزواج والتمتع بمغازلتهن ، سمي بذلك لأن التمتع به يكون وقت القيلولة غالباً ، وقيل : هو في الأصل مكان القيلولة - وهي النوم نصف النهار - ونقل من ذلك إلى مكان التمتع بالأزواج لأنه يشبهه في كون كل منهما محل خلوة واستراحة فهو استعارة ، وقيل : أريد به مكان الاسترواح مطلقاً استعمالاً للمقيد في المطلق فهو مجاز مرسل ، وإنما لم يبق على الأصل لما أنه لا نوم في الجنة أصلاً . وأخرج ابن المبارك في الزهد . وعبد بن حميد . وابن جرير . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ، ثم قرأ * ( أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) * وقرى * ( إن مقيلهم لإلى الجحيم ) * وأخذ منه بعضهم أن المراد بالمستقر موضع الحساب ، وبالمقيل محل الاستراحة بعد الفراغ منه ، ومعنى يقيل هؤلاء يعني أصحاب الجنة ينقلون إليها وقت القيلولة ، وقيل : المستقر والمقيل في المحشر قبل دخول الجنة ، أو المستقر فيها والمقيل فيه . فقد أخرج ابن جرير عن سعيد الصواف قال : بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمن حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس ، وإنهم ليقيلون في رياض حتى يفرغ الناس من الحساب ، وذلك قوله تعالى : * ( أصحاب الجنة يومئذٍ خير مستقراً وأحسن مقيلاً ) * وفي وصفه بزيادة الحسن مع حصول الخيرية بعطفه على المستقر رمز إلى أن لهم ما يتزين به من حسن الصور وغيره من التحاسين . فإن حسن المنزل إن لم يكن باعتبار ما يرجع لصاحبه لم تتم المسرة به ، والتفضيل المعتبر فيهما المسرة إما لإرادة الزيادة على الإطلاق ، أي هم في أقصى ما يكون من خيرية المستقر وحسن المقيل . وإما بالإضافة إلى ما للكفرة المتنعمين في الدنيا